السيد الطباطبائي
79
تفسير الميزان
قوله تعالى : " قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " الخطاب للرجل وهو - كما يفيده السياق - يلوح إلى أن القوم قتلوه فنودي من ساحة العزة أن ادخل الجنة كما يؤيده قوله بعد : " وما أنزلنا على قومه من بعده " الخ فوضع قوله : " قيل ادخل الجنة " موضع الاخبار عن قتلهم إياه إشارة إلى أنه لم يكن بين قتله بأيديهم وبين أمره بدخول الجنة أي فصل وانفكاك كأن قتله بأيديهم هو أمره بدخول الجنة . والمراد بالجنة على هذا جنة البرزخ دون جنة الآخرة ، وقول بعضهم : إن المراد بها جنة الآخرة والمعنى سيقال له : ادخل الجنة . يوم القيامة والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع تحكم من غير دليل كما قيل : إن الله رفعه إلى السماء فقيل له ادخل الجنة فهو حي يتنعم فيها إلى قيام الساعة ، وهو تحكم كسابقه . وقيل : إن القائل : " ادخل الجنة " هو القوم قالوا له ذاك حين قتله استهزاء وفيه أنه لا يلائم ما أخبر الله سبحانه عنه بقوله بعد : " قال يا ليت قومي يعلمون " الخ فإن ظاهره أنه تمنى علم قومه بما هو فيه بعد استماع نداء " ادخل الجنة " ولم يسبق من الكلام ما يصح أن يبتني عليه قوله ذاك . وقوله : " قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " استئناف كسابقه كالجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : فما ذا كان بعد تأييده للرسل ؟ فقيل : " قيل ادخل الجنة " ثم قيل : فماذا كان بعد ؟ فقيل : " قال يا ليت قومي يعلمون " الخ وهو نصح منه لقومه ميتا كما كان ينصهم حيا . و " ما " في قوله : " بما غفر لي " الخ مصدرية ، وقوله : " وجعلني " عطف على " غفر " والمعنى بمغفرة ربي لي وجعله إياي من المكرمين . وموهبة الاكرام وإن كانت وسيعة ينالها كثيرون كالاكرام بالنعمة كما في قوله : " فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن " الفجر : 15 ، وقوله : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " الحجرات : 13 فإن كرامة العبد عند الله إكرام منه له لكنه لم يعد من المكرمين بوصف الاطلاق إلا طائفتين من خلقه : الملائكة الكرام كما في قوله : " بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون "